عصفورة باريس


عصفورة باريس

Moineau de Paris

هل كانت تلك الصوصوات الدافئة التي سمعتها وأنا أمشي بخطواتٍ هادئة على ضفاف نهر السين في باريس حلماً أم وهماً أم نداءً من عصفورة باريس . عصفورة باريس التي جاءت من الشرق وحطت على فروع أشجار نهر السين الباسقة. رفعت رأسي لأراها قابعة بين أوراق الشجر تشدو بجميل اللحن والغناء. وما إن إقتربت من الشجرة حتى طارت وحطت بجواري عند سور النهر وكأنها حطت عند شغاف قلبي دنوت منها  فدنت مني وهي تضم جناحيها في هدوء ورفعت رأسها إليَ تشدو بحلو اللحن وهي تنظر في عيني..أنصت إليها أحاول أن أفهم ماأثرت بها غناها من كلماتٍ أشعر بها وتملأني دفئاً في شتاء باريس القارس.  دنوت أكثر فدنت مني. أنصت إليها فأنصتت لخفقات قلبي ، وكأن هواء باريس البارد قد تحول لمجالٍ مغناطيسي يجذب كل منا إلى الأخر. إزداد صوتها دفئاً ، فإزداد قلبي عشقاً. وما إن دنوت أكثر حتى مالت برأسها وإلتقطت من كفها الصغير كرزة صغيرة حمراء ناضجة لامعة .. كرزة’’ ما رأت عيني مثلها. ثم رفعت رأسها وكأنها تدعوني لأن آخذ الكرزة. مددت يدي لآخذها ، فتحت كفي تحت منقارها الرقيق الصغير فأراحت عصفورتي الكرزة في كفي. ثم راحت تشدو بغناء طربت’ له لكني لم افهمة ..كنت أتمنى أن أفهمة.

كانت تكلمني ، تحاكيني ، تشكو إليَ ..لا أدري ، فقط كنت أشعر بما تشدو به وكأنها كانت تغني على ألحان خفقات قلبي . وكأني سمعتها في أحلامي من سنين. فجأة ، كفت عن الغناء وبسرعة فردت جناحيها و مالت..مالت عصفورتي على كفي وإلتقطت الكرزة ، ثم طارت نحو وجهي وأنا في دهشةٍ من أمري فارغ في من فرط دهشتي ، فإقتربت مني  أكثر وأكثر في نعومةٍ ودلال ثم..ثم ألقمتني  الكرزة في فمي ثم طارت .. طارت .. بعيد  ..إلى حيث لم أعد أراها وراء غيوم سماء باريس التي أخفت الشمس وراءها.

أين أنا الآن؟ أأنا تائه بين طيات حلمٍ غريب؟ أم أقف حقاً عند ضفاف نهر السين ؟ ملأتني الحيرة ، تأملت حولي لأتأكد أني أرى بشر’’ يمشون. رأيت’ رجالاً يرتدون المعاطف الطويلة والقبعات وسمعت أصوات كعوبٍ أحذية نساء باريس الأنيقات يمشين بسرعةٍ ويحملن المظلات الملونة لتحميهن من زخات المطر وسمعت ..سمعت أصوات العصافير على الأشجار يهمهمن همهمات ماقبل النوم بعد أن خلدن لأعشاشهن يحتمين من المطر.

أنا لا أحلم ، أنا أعيش الواقع ، أنا في الدنيا ، أنا في باريس!!.

وأنا ألتف حولي قبضت بشفتي على الكرزة في فمي ، ذقت حلاوة طعمها التي سالت بين جنبات فمي ثم …ثم ..ماهذا؟ مالذي أسمع؟ أسمع’ أصواتاً متداخلة ..كثيرة .. كثيرة..أسمع همهمات ، همهمات تأتي من فوق رأسي. هل هذا معقول؟

إنني أسمع همهمات العصافير تحاكي بعضها ، بل..بل إنني أفهمها. أفهم مايقولون ضحكات’’ وصرخات أنَات’’ وكلمات. أسمعهم وكأني بينهم. ثم ..سمعت’ صوتاً يأتي من بعيد ، صوت’’ يناديني بإسمي. إنها عصفورتي تناديني..تناديني بإسمي وتدلَني على مكانها ..أسمعها..أفهمها، إنها تناديني. تتبعت’ الصوت وأنا أعبر الطريق وسط زحام السيارات وأخترق الأرصفة وسط زحام الناس. أجري كالمجنون أدفع الناس ويدفعونني ، وكرزتي في فمي لم أبتلعها..نعم كرزة عصفورتي في فمي تسمعني صوتها وتفهمني كلماتها إلى أن وصلت لحديقةٍ خضراء جميلة تعج بأشجارٍ قصيرةٍ منمقة وزهورٍ فاح منها عبير باريس اللانهائي.

وصلت ..وصلت عند عصفورتي التي وقفت على غصن شجرة عند أطراف خميلةٍ بين الأزهار والشجر.

إقتربت ..ثم إقتربت منها أكثر ..أحاول أن أستمع ، أن أفهم ..إقتربت أكثر علَلي آتي منها بنبأٍ يفهمني مايدور حولي. ما إن إقتربت حتى بدأت تغرد بكلماتٍ هي أطيب ماسمعت من كلمات تبوح بالحبٍ . حب’’ لي نسجته بخيوط ألحانٍ حريريةٍ ناعمة كدت ألمسها بالهواء من فرط صدقها وروعنها. ثم..

توقفت عن الغناء وقالت..

قالت لي ..وأنا رافع’’ رأسي نحوها..

“أنت..نعم أنت..أنت من علمني هذه الكلمات الجميلة ، أنت من علمني الحب وأنت من طار بي لعنان السماء. أنت من غزل جناحي هذين بكلمات الحب والعشق والجمال. أتيتني وكنت في إنتظارك.” ثم رفعت جناحيها وقالت “أنت يامن إنتظرته عمري ، تعال ..إقترب مني ..تعال لأوليك حبي وعشقي”.

!

أنا؟ أين؟ ومتى؟ وكيف؟

قالت “أنت نعم أنت..أنت من كنت أقرأه كل يوم وأنا قابعة’’ فوق الشجرة حين كنت تجلس على أريكتك بفناء بيتك تكتب..وتكتب..وتكتب ثم تكتب ، كلمات’’ هي كالأنهار تتراقص بين جداولها ، كلمات’’ سرت في عروقي الصغيرة تروي ظمأي للحب والعشق والجمال. كلمات كانت كالدم لعروقي والماء لروحي. فقط أنا. فقط أنا من إستطعت أن أقرأك..فقط أنا من إستطعت أن أفهمك دون عناء. كنت أتلو كلماتك على أترابي فيهمن في غماء. نعم أنت. أنت من في قلبي منك بضع’’ وفي روحي منك سناء. كنت أغني لك علًك تفهم كلماتي ..علًك تعرف أني..أحببتك. لكنك لم تسمعني ، لم تفهمني ، فقط كنت تسمع نفسك ولا صوت سوى صوت عقلك. أنت. والآن وقد سمعتني ، وقد فهمتني مابالك صامت’’ ، كمن سمع عصفوراً ينطق بكلام البشر!؟”

فإبتسمت..وأنا أضع كفي على فمي خشية أن تسقط كرزة عصفورتي.

“أنتِ؟ نعم أنتِ . أنتٍ إذاً من طارت كل يومٍ فوق رأسي وحامت؟ ، أنت من حمت أوراقي حين أمطرت الدنيا وغامت؟ كنت تطيرين فوق رأسي؟ وأنا أكتب ولا أبالي؟ ،  كنت أخلد للنوم وأنت تسهرين الليالي؟ لا..لا بل كنت أسمعك ، وكنت أراكِ ..لكن ..الآن..الآن تذكرت ، الآن عرفت ، أنتى التي لا تعرفين .. حين كنت..حين كنت تشدين بعذب الألحان وحين تبكين ، أنا كنت أسمعك وأحاول أن أفهمك. أنت من أوحيت لي بعذب الكلام وأنت من ملأت سطور كلماتي بفرح الحب والآلام. أنت ..أنت من كنت على ضفاف أوراقي تقفين ، وأجمل ريشاتك كنت تتركين. أنت..نعم أنت. “

لكن..لكن ..كيف؟ كيف تحبين؟ كيف تحبين بشراً وقد خلقك الله من مرمرٍ ، وخلقني من طين؟ أنت أرق وأنعم وأسمى من أن تتركي سماءك وعلى الأرض تنزلين.

أنت لا تعلمين ، حين كنت تروحين، كنت أجمع ريشاتك تحت وسادتي تبطن جنبات أحلامي تملأني بالحنين.

لكن..كيف؟ كيف ياعصفورتي لحبك عندي أن يستكين؟

سقطت من عينها دمعةً على وجهي وقالت “لا أدري ، ..لقد أحببتك وليس لحبي من عشٍ دافءٍ سوى قلبك أنت. أتحبني إذاً كما أحبك؟ أتعشقني كما أعشقك؟” قالت كلماتها ثم رفعت جناحيها وطارت نحوي فمددت كفي إليها لترتاح عليه وأنا حائر’’ لا أدر ما أقول. وقفت كالأميرة فوق كفي وقالت “أجبني..أتحبني؟ أتعشقني؟ ضمني إليك عللي أستشعر دفء قلبك وأسمع خفقاته تخبرني أنك تحبني. أتحبني؟

ملأني الصمت..لم أدر ماذا أقول ملت برأسي نحوها وأنا أحاول أن أستدرك مابقى لعقلي مما يعرف البشر ولا تفهم العصافير. قلت وأنا تملأني الحيرة “بلى..بلى أحبك ولكن..” قالت “ولكن ماذا؟ ماذا يرضيك في هذه الدنيا سوى قلب’’ يحبك وجناحين يضمانك حين يملأك الحنين؟ ماذا يرضيك في هذه الدنيا سوى صوت’’ يشجيك وعينان يسهران عليك حين يضنيك الأنين؟” أجبني.زأتحبني؟

قلت “ولكن كيف ياعصفورتي؟ أنا بشر’’ وأنت من حوريات السماء . أنا إنسان وأنت ..وأنت من الأميرات الحسان” أنا..

صمتت عصفورتي ..صمتت ثم سقطت دمعة’’ أخرى من عينها على كفي وبجوارها ..وبجوارها سقطت كرزة’ عصفورتي من فمي..

سقطت الكرزة ، فمالت عصفورتي على كفي في هدوءٍ كما وضعتها أول مرة وإلتقطت الكرزة بين شفتيها ثم..ثم رفعت جناحيها ..وطارت.

طارت وأنا أناديها..أناديها وهي تبعد ، وتبعد . طارت عصفورتي بعيداً بعيداً . ولم أعد أراها.

والآن ..لازلت أقف كل يومٍ تحت شجرة نهر السين ..أنصت..أستمع لهمهمات العصافير..أحاول أن أفهم علَي أسمع صوت عصفورتي. علًها تلقي إلي بكرزة تذيقني طعم الحب والعشق والجمال الذي فرطت فيه بإرادتي، لكني ، لم أعد أفهم مايقولون وعصفورتي ..تركتني..أو ..ربما جعلتها تتركني ..وطارت بعيداً إلى حيث لم تعد إلى لا بعد أيامٍ…

ولا بعد سنين.

__

باريس..3 أبريل 2011

Advertisements

About Ashraf Saleheen

A caller for Peace. Passionate about my beliefs. Business Development Manager. Building Material Industry. Member of the Worldwide Association for Marketing Executives (Washington DC) Located in Dubai
This entry was posted in قصصي. Bookmark the permalink.

One Response to عصفورة باريس

  1. قصة رائعة ومؤثرة… ونهايتها معبرة بالرغم من قسوتها
    االاقطاب المغناطيسية المختلفة تتجاذب لكن قد يكون التيار قويا جدا لدرجة لا يسمح لها ان تصمد وهي تسبح ضده
    كان على العصقورة ان تعي ذلك قبل أن تسلم قلبها لإنسي
    شكرا على الخاطرة…. استمتعت كثيرا

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s