أين من عينيك هاتيك الخيال..يارئيس الوزراء


نظرة موضوعية للمؤتمر الصحفي للجنزوري يوم 17 ديسمبر 2011

لا شك أن كثيراً منا حتى ممن يعترضون على تولي الجنزوري المسؤلية خلال هذه الفترة الحرجة كان ولا يزال يتمنى أن تمر هذه المرحلة بخير على البلاد. حتى من يعترض على وجود الجنزوري لا يتمنى سوى أن تفي حكومته بوعودها وأن تحقق الأمال في تحقيق العدالة الإجتماعية.

وعد الجنزوري بعدم المساس بمواطن ولو بالكلمة فكان صوت الرصاص والحجارة والعصي أعلى وأقسى وأقوى من أن يتحمله أحد حتى الجنزوري نفسه. لابد أنه صدم ولابد أن الصدمة أربكته حتى راح يلقي بكلماتٍ لا تصب في ميزان حسناته لدى الشعب. شخصياً كنت أنتظر مؤتمر الجنزوري بفارغ الصبر أكثر مما كنت أنتظر مؤتمرات عصام شرف أو المجلس العسكري. فالرجل يتحدث حديثاً مباشراً واضحاً وصريحاً. يتحدث بعقله دونما اللجوء لورقة يقرأ منها أو شاشةٍ يعلق عينيه عليها. كدت أشعر أنه ربما ملأ فجوة كنا في حاجةٍ لمن يشغلها لشخص قد تبدو عليه علامات الزعامة فلطالما تمنينا أن يعتلي منبر قيادة مصر لهذه المرحلة زعيماً يستطيع أن يجمع شتات الشعب ويمحو بكلماته وأفعاله الغموض وعلامات الإستفهام التي  مافتأت تنهش في عقولنا دونما إجابة أو مجيب حتى كدنا أن نجن.  كلنا إعترانا الأمل ، كلنا أغمنضا الجفون وإستسلمنا لبرهة من الراحة كنا في امس الحاجة إليها حتى تسترد البلاد أنفاسها، لكن نسي الجنزوري أن هناك من لم يغمض له جفن ولم ولن يرتاح له بال حتى يحصل على حق إبنه أو إبنته ممن أستشهدوا وقتلوا غدراً في يناير وفبراير وماسبيرو وشبرا ومحمد محمود وقصر العيني وكافة شوارع وميادين مصر. هؤلاء قومٌ ماطالبوا بأكثر من إسترداد حقهم في النيل ممن غدروا بأبنائهم بل بأبنائنا وأبناء كل بيت في مصر. هؤلاء قومٌ صرخوا فلم يستمع لهم أحد ، هتفوا فلم يستجب لهم أحد ، بكوا فكان الرد بالخرطوش في الأعين لكي ينضب نبع دموعهم ويكفوا عن البكاء.

أي حديث يارئيس الوزراء تحدثت ، صحيح أن قولك كان مفهوماً فيما يخص البدء الفوري في مشروعاتٍ قومية قد تدر عائدات على البلاد وتصحح الصورة الإقتصادية المشوهة أمام العالم ، لكن للأسف أنك لم تدرك أن لكل مقامٍ مقال ولكل مرحلةٍ خطابها. بدوت في حديثك مدافعاً عن نفسك وعمن يتهموك إتهاماتٍ كما تراها باطلة لكن غاب عنك أن تدافع عن الشعب وعن الشهداء وعن حقوق المظلومين والمحتجزين في السجون العسكرية دون وجه حق. صحيح اننا ننتظر منك تحقيق الأمن للبلاد وتصحيح المسار الإقتصادي لكن لا تنسي أنك بحاجة لعون الشعب أكثر من عون المجلس. أنت في حاجةٍ لأن تخاطب الشعب لامساً بيدٍ واقعية ، حنونة شافية مضمضة لجراحهم التي لم تلتأم بعد سواء من هو مع الثورة أو حائرٌ بين ضفتيها يتنتظر الغرق بين لحظةٍ وأخرى. هذا ليس كلام عاطفي لكنه كلام يخاطب عقلك قبل قلبك فالمطلوب هو التحدث بذكاء والتصرف بذكاء كي تمر هذه المرحلة على خير. تجاهلت من مدوا أيديهم إليك لمعاونتك ومستعينين بك بعد الله لكي تشفي جراحهم فافسحت الطريق لمن أراد إستغلالهم وإستغلال الوقت الحرج لإحراجك وإظهارك في مظهر المخادع المدافع عن نفسك و المجلس بينما من الواضح أنه هناك من هو أقوى منك وأقوى من المجلس يشعل النار في أحشاء البلاد ويسعى لإستدراج الشعب للنزول مرة أخرى للشارع ضد من تصفونهم بالبلطجية وبل والتسبب في المزيد من الإنقسام بين أفراد الشعب وحينئذٍ لن يكون حديث العباسية والتحرير حديث راياتٍ وهتافاتٍ ومشاعر فياضة بل سيكون حديث حرب شوارع بين الميدانين وربما ميادين أخرى. أين أنتم من كل هذا حتى وإن صدقت نواياكم.

أي حديث تحدثت يارئيس الوزراء وقد إختلط عليك الأمر في أولويات المرحلة. الأمن ياسيدي لن يتحقق إلا إذا أحسنت الإستجابة لطلبات الثورة والتي هي منطقية في مجملها حتى ولو وعدت بتحقيق بعضاً منها وإشتريت بعضاً من الوقت لتحقيق البعض الآخر شريطة أن تحققها فعلاً خاصةً فيما يخص المحاكمات والتطهير الفعلي لمؤسسات الدولة. أنت بحاجةٍ الأن لتمهيد الطريق لتحقيق الأمن وليس تحقيق الأمن ذاته. فالأمن لن يتحقق بين يومٍ وليلة ، ناهيك عن إستفحال تراكمات الكراهية بين جزءٌ كبيرٍ من الشعب ورجال الشرطة البوليسية والآن أضيف إليها الشرطة العسكرية ويالويل مصر من تبعات ذلك ، فذاك ياسيدي سيستغرق وقتاً أطول مما تتخيل لمعالجته ربما يمتد لسنوات.

أي حديث تحدثت يارئيس الوزراء وقد كنت في أمس الحاجةٍ للرد على أسئلة الصحفيين الذين دعوتهم للإستماع إليك ولم تستمع إليهم ولم تدرك أن في الرد على أسئلة الصحفيين شفاءٌ للقلوب وإجلاءٌ للغموض وإقرار للحقائق فأسئلتهم تعكس نبض الشارع والرد كفيلٌ بتهدئة الشارع وهذا ماأنت بحاجةٍ إليه الأن لكي يتحقق الأمن كما طلبت ولازلت تطلب. طلبت أن يتكاتف الجميع لتحقيق الإستقرار ونسيت أن أكتاف الكثير من أفراد الشعب ممن نجا منهم من أحداث الشهور الماضية لازالت تتألم من الرصاص الحي والخرطوش والعصي ، فأنى لهم أن يتكاتفون معكم؟

الحلول الفورية هي الحل الأمثل لتمهيد الطريق لإستباب الأمن. فأنت حين تعلن أن الأمن سيتحقق قريباً فذاك ضربٌ من الخيال وأسلوبٌ سهل لخداع الذات إلا إذا تم إتخاذ قراراتٍ حازمة وفورية لتحقيق الأمن. الحلول الفورية تقتضي إعلان القبض على الضابط أو فرد الأمن الذي إشتبك مع العبودي وإقتاده وأوسعه ضرباً وتعذيباً هو وزملائه فهو لا يستحق تحمل المسؤلية إن كان قد إستجاب لإستفزازات شاب في مقتبل العمر لأنه غلب مصلحته على مصلحة البلد. حتى لو كان العبودي مخطئاً فقد كان لزاماً على ذلك الظابط تحكيم العقل وضبط النفس. الحل الفوري مزيدٌ من الشفافية فيما يخص محاكمة رموز النظام السابق وعلى رأسهم مبارك وإستإناف المحاكمات العلنية له ماله وعليه ماعليه حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا سواء حكم عليه بالقصاص أو بالبراءة. لا نريد سوى العدل حفظ الكرامة ولكن دونما الإستخفاف بعقولنا. الحلول الفورية هي الإفراج الفوري عن المدنيين الذين حوكموا عسكرياً وغيرهم من المذنبين يحاكمون مدنياً. أقل تقديرٍ هو تحويل الشباب ممن يحاكمون عسكرياً إلى محاكماتٍ مدنية ليحاكموا أمام قاضيهم الطبيعي.

تذكر ياسيدي أنك تساهم في إستمرار الفوضى إن لم يتم إتخاذ إجراءات تجاه هذه الحلول الفورية. تذكر أن أولويات المرحلة ومصير البلاد بأكملها يرتبط بالإستجابة لمتطلبات المرحلة كما ذكرت أنفاً. تذكر أنه لا قيمة للمجلس العسكري ولا للمجلس الإستشاري ولا لمجلس الوزراء ولا للإنتخابات ولا لكم شخصياً إن لم تستطيعوا تحديد الأولويات وتهدئة الشارع. ففي ثمانية وأربعين ساعة ضاع تاريخ مصر الذي إحتفظت به لأكثر من مئتي عام. والأهم أنه في أقل من عام ضاع خيرة شباب البلاد ضحية الغدرٍ والخيانةٍ والغباء السياسي وإلإستبداد وسوء إدارةٍ للمواقف والأزمات. تذكر بأن ليصح أن نخطو خطوةً للأمام وعشر خطواتٍ للخلف فتلك مصيبةٌ لا يعلم مداها إلا الله. تذكر أنه بكل موقفٍ سلبي تتخذونه أنتم تفتحون الباب لمن أراد أن يتآمر على هذا الوطن وهذا الشعب العريق. تذكر أن في إستباب الأمن أمان والإستجابة لمطالب الشعب أمانٌ لك ولأسرتك ولعائلتك وكذا لكل أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة فأنتم بالتأكيد ستنعمون بالأمن كبقية أفراد الشعب الذي هو منكم وأنتم منه.

لابد من توضيح الصورة ومصارحة الشعب والكف عن التصريحات المبهمة التي لا تسمن ولا تغني من جوع. لابد من مواقف حازمة تجاه تحقيق العدالة وإستباب الأمن. بتنا لا نعرف أي رواية نصدق رواية من يتهم المجلس العسكري ويتهمكم بالإستخفاف بالثورة ومتطلباتها أم روايتكم بأن هناك أيدٍ خفية وأن الجيش لم يطلق النار على أحد. ربما لم يطلق النار ولكنه أطلق شرارة مرحلةً جديدةً من الفوضى والتخبط والسقوط في الهاوية.

إن فهمت كلماتي هذه على أنها إنتقاد لك فأسفي عليك وعلى مصر ولك ولمصر. أما إن فهمته على أنه محاولة للتكاتف معك لكي نتخطى هذه المرحلة الصعبة فلك مني الشكر بل ومن المصريين جميعاً. أرجوك لا تخطئ أخطاء السابقين ممن سنحت لهم الفرصة لدخول التاريخ من أوسع أبوابه ولكي يرضوا على شعوبهم وترضى شعوبهم عنهم ولكنهم أضاعوا الفرصة بالإستكبار والتجبر.

ختاماً أدعوك – كما دعوت د. عصام شرف من قبل وبالطبع لم يستجب – وجه أنت الدعوة لنزول الناس للتحرير وإذهب إليهم وخاطبهم وأخطب فيهم ولتكن منك المبادرة بالدعوة قبل ان توجه إليك الدعوة. ولا تدع مجالاً للمضللين أن يحتلوا منبر التحرير وإلا سيقنعون البعض بأنك من الضالين المضللين وهذا مالا نتمناه. لا نتمنى أن ينصت الشعب لمزيدٍ من الروايات الخادعة فنحن نريد روايةً واحدة صادقة ليست عاملة ولا ناصبة تصلى ناراً حامية.

أرجوك لاتدع مجالاً لمزيدٍ من الروايات الهلامية ، فلم نعد نعرف أي روايةٍ نصدق.

يارئيس الوزراء؟؟؟

Advertisements

About Ashraf Saleheen

A caller for Peace. Passionate about my beliefs. Business Development Manager. Building Material Industry. Member of the Worldwide Association for Marketing Executives (Washington DC) Located in Dubai
This entry was posted in أرائي. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s