لا أعرف


aristotle

يقول الباشمهندس أرسطو عامود كردان الفلسفة اليوناية وكومبريسور التكيف الواقعي للحياه أنه “للحكم على شيٍ خاص لابد أن يكون المرء على علمٍ بذلك الشئ” وفي مصر ، وعلى بعد ما يقرب من ألفي كيلو متر من اليونان مسقط دماغ الفنان أرسطو ، يزدهر فن الإفتاء وإعلاء كلمة الهتش و النتش وتستنير ربوع الجمهورية بأساسيات علم التهييس والتفكيس بكل ماهو نميس يطرب القدم قبل العقل وتتراقص له ثنايا الرئات قبل طبول الأذان.

 في مصر ، مهد الحضارة ويسكنها أكثر من خمسين مليون نضارة ، يصعب على الكثير أن يقول “لا أعرف” في ردٍ على أي سؤال ، فهي تعتبر عيباً في قاموس المصريين وتنتقص من رجولة الرجال وأنوثة النساء وحينئذٍ تنتفض شرايين الخيال في عقل المصري ويحاول أن يسترجع من مخازن رأسة أية معلومة يمكن أن يربط بينها وبين مايمكن أن يكون رداً محتملاً كإجابةٍ على أي سؤال. ثم..يجيب وياليته ما أجاب.

في مصر ، بلد بها أكثر من ثلاثِ وعشرين جامعة يتخرج فيها أنصاف متعلمين إلا من إجتهد ودفعه طموحة للإستزادة من العلم . ألاف من الفتيان والفتيات ، طاقة بشرية رائعة تهوي من قمة الجامعة لقاع المجتمع فلا دولة تهتم بمناهجهم أو بتنميتهم أو توظيفهم فهم وقودها للنمو و الإزدهار ولا أكثرهم يهتم بتنمية ذاته إما لضيق ذات اليد أو لعدم الرغبة في النجاح بعد أمضى ست عشرة سنة يحفظ ولا يفهم فيقعون بعد ذلك فريسة لتجار الدين.

وعلى منابر جوامع مصر تشرئب قامات من إدعوا أنهم أئمة يدعون إلى الله بالحكمة و الموعظة الحسنة وما هم بداعين. تتعجب ممن وقف على قمة المنبر وهو لا يملك بين طيات عقلة من العلم – بل من المعلومات – سوى ما حفظ عن ضهر قلبٍ وقشور عقل من سيرةٍ للصحابة وأيام الرسول صلى الله عليه وسلم. يبدع في الخطابة ويسترسل فى سرد الحكايات ويعلو صوته ولا ينخفض مدللاً على بعض المواقف وكأنه كان يعيش جنباً إلى جنب مع الصحابة والتابعين ورأى الأحداث رأي العين. يروي ولا يتحدث عن حكمة الحدث ، يروي والناس تسمع ولا تتعلم. أي لسانٍ يتحدث وأي عقولٍ تدرك مايقال؟

 يأمرنا الله سبحانه وتعالى في محكم آياته أن نتدبر الآيات وأن نعقل ما أنزل من حكمةٍ و موعظةٍ حسنة فيقول تعالى “أفلا تعقلون” ، “أفلا تتدبرون” حى ولو وردت في سياقٍ مختلف إلا أنها دعوة صريحة من الحق جل وعلى أن نعمل العقل ونحاول أن نفهم ونتدبر معاني الآيات والحكمة منها. أحب إلى الله أن نقتنع بما يقوله تعالى عن أن ننصت أو نقرأ ولا نفهم. الإيمان أعمق حين نفهم وأرسخ حين نقتنع وأجمل حين يبنى على أساسٍ من العلم والتعلم وليس يإطلاق اللحى. لم يكن يوما عدد شعرات اللحية ولا طولها دليلاً على عظم حجم العلم وإلا لكان أرسطو أول من طور ويندوز 8 وأي فون 5 ولكان يرسل حكمه ومواعظه الفلسفية لطلاب علمه عبر الواتس آب. قيمة أرسطو (وغيره من الفلاسفة) أنهم لم يكن لديهم مصادر للمعلومات كما هي متاحة لنا الآن فلم يكن متاحاً لأرسطو أن يقوم بعمل داونلود لجوجل إيرث أو لموسوعة بريتانيكا بل أن هؤلاء إجتهدوا وأعملوا فكرهم في إجتهادٍ محموم في محاولة للوصول للحقيقة ورآء كل شئ. فكروا فشكوا فأنكروا فراجعوا أنفسهم مرات ومراتٍ حتى آمنوا. آمن أرسطو بأن “الديمقراطية هي حكم المحتاجين وليس أصحاب الأملاك” وآمن بأن “الكرامة ليست إمتلاك المفاخر ولكن إستحقاقها” وآمن بأن “التعليم زينة في الرخآء وملاذ في الشدة وهو أفضل مؤونة للشيخوخة” وأمن أفلاطون بأن ” قليل من العلم مع العمل به أنفع من كثير من العلم مع قلة العمل به”. وقال أبقراط : “ليس معي من فضيلة العلم إلا علمي بأني لست بعالم”.

وفوق هذا وذاك يقول الرسول محمد صلى الله عليه وسلم “خيركم من تعلًم العلم وعلًمه” وعلم عيسى عليه السلام بنقائه وصفائه حواريوه فآمنوا به وإتبعوه . ويقول الحسن بن العلي رضي الله عنه ” علِم الناس علمك وتعلم علم غيرك فتكون أتقنت علمك وعلمت مالم تكن تعلم” ويقول الإمام الشافعي “العلم مانفع وليس العلم ما حُفظ”.

صحيح أن “من قال لا أعرف فقد أفتى” ولكن هل نكتفي بألَا نعرف؟ أمرنا الله بالعلم والتعلم فكيف بنا نكتفي بألَا نعرف ثم نفتي بما لا نعرف فيصدقنا من هو أكثر منا جهلاَ؟. إن كنا نعرف بأنَا لا نعرف ونكتفي فتلك مصيبةُ ،  وإن كنا لا نعرف بأنَنا لا نعرف فتلك مصيبةُ أكبر.

متى نعرف أننا لا نعرف ونحاول أن نعرف؟

لا أعرف !

__
أشرف صالحين

Advertisements

About Ashraf Saleheen

A caller for Peace. Passionate about my beliefs. Business Development Manager. Building Material Industry. Member of the Worldwide Association for Marketing Executives (Washington DC) Located in Dubai
This entry was posted in أرائي. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s