دو رى مي ، دونها الإرهاب !


do re mi (3)

 أذكر حين كنت صغيرآ في المرحلة الإبتدآئية كانت حجره الموسيقى بالمدرسة مكانآ مقدسآ . حجرة كبيره ، واسعة  يحيطها الهدوء حين تفتح بابها الأبيض في الأوقات التي تفصل بين حصص الموسيقى. الحوائط بيضآء زهرآء تزينها الآلات الموسيقيه في كل جانب ، كمان ، عود شرقي ، أكورديون ، ماندولين ، جميعهم يطلون من عليآئهم على سكان أرض الحجره ذوي الوزن الثقيل من بيانو وتشيللو وهارب وإكزيليفون وطبولٍ نامت على سطحها الجلدي سيقان العزف الخشبيه تحتضن بعضها بعضا.  تشعر أنهم يتحدثون حديثآ خافتآ صامتآ يهمسون به همسا غير مسموعٍ للبشر. يعزفون فيما بينهم لحنآ هادئآ ليطربوا به أنفسهم حتى يأتي موعد حصه الموسيقى التاليه.

مقاعد الطلاب كانت خشبية ملونة بالأبيض واللون الزهري الخفيف وكان فيما بينها مقاعد صغيرة لأطفال الروضه. أما أشعه الشمس فكانت تتراقص على الأرض والحوائط حينما تمر عبر النافذه إلى داخل الحجرة وتتمايل ميلاتٍ ناعمة كلما اهتزت أوراق الشجرة الكبيرة جارة الحجره منذ أن أنشئت المدرسه.

معلمه الموسيقى كانت أرق من أن تحمل بين أيديها عصا الكمان ، لكن أناملها الرفيعة كانت تنصب على أصابع البيانو بقوه كالمطر ينهمل فوق أوراق الشجر. طويلهُ كانت ، جميلهُ بيضآء البشره قصيرة الشعر بالكاد يغطي أذنيها اللتان إزدانتا بقرطٍ أنيق يلمع بين خصلات شعرها الأسود الناعم الداكن. كانت الأستاذه ثريا هي من أول من نحت حروف الموسيقى في عقولنا وقلوبنا ونحن صغار. ليس فقط بعشقها للموسيقى حيث كانت تحدثنا عنها وكأنها تغني و هي تتحرك وتتمايل و تشرح كالباليرينا على خشبه المسرح ، ونحن نستمع ونشاهد ونعيش ونحلم.  

صفآءُ ونقآء ، أقل مايمكن أن أصف به دقآئق حصه الموسيقى أو بالأحرى حصه الثريا.

النتيجه؟ مجموعة من الطلاب تهذبت نفوسهم بأداب الفن ومن عشقوه فصفت نفوسهم وتقبلوا دروسهم من المواد الدراسية الأخرى في هدوء ورضا. تعاملوا مع أساتذتهم بإحترام متبادل ومع زملائهم بالحب. وبالرغم من أن مدرستي كانت مدرسهٓ حكوميه تقبع في أحد أحيآء القاهرة القديمه إلا أن ذلك لم يمنع معلمينا من تربيتنا تربيةٓ صحيحهٓ سليمه. 

 ***

أين أبناءنا اليوم من هذا. أي جيلٍ ذلك الذي حمل أطفاله سلاحآ بندقيه كانت أو نصلآً ليذبح ويقتل. أي جيلٍ ذلك الذي سمحت عقول الآبآء فيه بلف الأحزمة الناسفة حول صدور أبنائهم ثم يطالعونهم مكبرين مهللين وهم يتمزقون إربآ أمام أعينهم. أي فكرٍ وأي دينٍ يسمح بذلك إلا بين من خوت نفوسهم من بذور الإنسانية ، من لم يستمعوا في طفولتهم للحن موسيقي يهذب نفوسهم وينقي سريرتهم آبآءٓ كانوا أم أبنآء.  حتى من تعلموا الموسيقى في صغرهم أحاطهم آبآءهم ممن عمت عيونهم و مرضت نفوسهم وتلونت صفحات طفولتهم بلون الدم حتى ذبلت أوتار الرحمة في صدورهم. 

مهما بذلت المؤسسات الدينية أو الإجتماعية من جهدٍ لإصلاح النفوس وتجديد الخطاب الديني فلن يجدي ذلك شيئآ وستمر السنون وسيشب الأطفال في نفس البيئة التي ولدوا فيها لا تسمع أذآنهم سوى صوت طلقات الرصاص والقنابل.

أدعو من هنا الدوله أن تنشئ في كل حي مركزآ تعليميآ لتعليم الأطفال الموسيقى والرسم والفنون التشكيليه وكما تهتم الدولة بمجانية التعليم فلتجعل تعليم الأطفال الفنون مجانيآ وإلزاميآ متاحآ للجميع حتى يتمكن ينهل الأطفال من ينابيع الفنون بأشكالها. والأهم هو الإهتمام بالمعلم قبل الآله الموسيقيه حتى يحبهم الأطفال ويحبونهم فلربما يخرج من بينهم ، أو بينهن ..

 ثريا أخرى.

—-

أشرف صالحين.    

 

Advertisements

About Ashraf Saleheen

A caller for Peace. Passionate about my beliefs. Business Development Manager. Building Material Industry. Member of the Worldwide Association for Marketing Executives (Washington DC) Located in Dubai
This entry was posted in أرائي. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s